عبد اللطيف البغدادي
168
التحقيق في الإمامة وشؤونها
المخلوقات عامة ، نهاية الأمر انّ الإدراك والشعور في الإنسان أقوى منهما في سائر الحيوان وأبين ، وفي سائر الحيوان أقوى منهما في النبات وأبين ، وفي النبات أقوى منهما في الجماد وأبين ، فكّلُ مخلوقٍ أوجده الله أعطاه إدراكاً وشعوراً يناسب حاله لا صلاحه ، ولعلّ إلى هذا يشير قوله تعالى حاكياً على لسان كليمه موسى في جوابه إلى فرعون لمّا سأله : ( قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ( أجاب ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( [ طه / 50 - 51 ] ، أي أعطى كل شيءٍ هديه بما جعل له من الإدراك والشعور كما أعطاه إيجاده أولاً ، كما أن جميع المخلوقات - ومنها الجماد - لها نطق يناسب حالها حسب اختلاف القوة في الإدراك والشعور ، وهذا ما يستفاد من بعض الآيات القرآنية وهي كثيرة . الآيات الدّالة على الإدْراك والشعور في كلّ مخلوق فمن الآيات التي تدل على ذلك قوله تعالى : ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ( 4 ) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ( والمعنى ان الأرض تحدث يوم القيامة أخبارها ، بسبب ان ربّك أوحى إليها ان تحدث فهي شاعرة ومدركة لما وقع عليها من الأعمال خيرها وشرها ، متحمّلة لها منذ صدر العمل عليها في الدنيا ، ويؤذن لها يوم القيامة بالوحي أن تحدث أخبارها وتشهد بما تحمّلته .